فوزي آل سيف

74

أعلام من الأسرة النبوية

ونشير هنا إلى خطأ موجود لدى بعض الكتاب وربما الخطباء وهو أنهم يقولون أن خديجة قامت وسقت أباها خمرا حتى لا يعارض عقد النكاح.. وهذا كلام باطل لجهات: أولًا ان أباها كان قد توفي قبل ذلك الوقت بسنوات، فقد نص غير واحد من المؤرخين عليه[206]وذكروا " إنّ عَمْرَو بْنَ أَسَدٍ ــــ عمها ــــ هُوَ الّذِي أَنْكَحَ خَدِيجَةَ رَسُولَ اللهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنّ خُوَيْلِدًا كَانَ قَدْ هَلَكَ قَبْلَ الفجار" وثانيا: لان هذا لا ينسجم مع ماهو معروف من طهارة خديجة قبل الإسلام، وأنها لم تكن تحب الباطل وإنما انتظرت هذه السنوات لأنها لا تجد فيمن يتقدم لخطبتها ما يناسب أخلاقها ومبادئها فهل تراها هناك تتوسل بالباطل وبأن تسقي أباها خمراً؟ وثالثًا: الكل يعرف بأن السكران لا عبارة له ولا يمكن أن يقبل أو يرفض والمعاملة باطلة. ورابعا: فإن بني هاشم وفي طليعتهم رأسهم أبو طالب ممن حرموا على أنفسهم الخمر لما أخذوه من ديانتهم الإبراهيمية، لا سيما والنبي موجود! كيف يسمحون بمثل هذا الفعل؟ ويجرون النكاح على أساس عبارة رجل سكران؟ أفترى النبي يقبل بعقد نكاح قائم على عبارة سكران؟ وهو ممن لا تقبل منه العبارة ولا يصح منه عقد ولا ميثاق؟ أنا لا أدري هل يلتفت أصحاب هذا القول إلى أنه يستلزم الطعن في رسول الله أولا وفي بني هاشم ثانيا وفي خديجة ثالثا وفي صحة نكاح خديجة[207]رابعا! تم العقد وخطب عمها بشكل مختصر موافقاً، وقيل إنه أصابه البَهْر فقامت خديجة ــ وكانت بَرْزة وذات شخصية فخطبت موافقة على ذلك، ومشيرة إلى أن المهر من مالها ــ. الأمر الذي جعل بعض الحسدة يقول: رأينا الرجال يمهرون النساء، ما رأينا النساء يمهرون الرجال! فنهض إليه أبو طالب وقال: يا لكع، الرجال مثل محمد، يحمل إليه ويهدى ويعطى، ومثلك من يعطي ويهدي ولا يقبل منه. لم يتأخر الزواج بعد العقد، وبعده قيل إن خديجة قامت عند البيت الحرام ووكلت من يخطب أن يقول: أيها الناس هذه خديجة بنت خويلد تقول إن ما تملك من مال وشاه وابل وعقار وعبيد وجوارٍ وغير ذلك كل ذلك قد وهبتها لزوجها محمد صلى الله عليه وآله يتصرف فيها كيف يشاء يهب من أحب ويمنع من أحب. انظر الفرق ولماذا ارتقت خديجة هذا المرتقى العالي! ومن عجبٍ أن يقارَن بها غيرُها وأن يناقش هل هي الأفضل أم لا؟ ذلك أن المفسرين قد ذكروا في تفسير آية (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا). وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ عائشة سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، إِمَّا زِيَادَةً فِي النَّفَقَةِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ شَهْرًا فِيمَا ذُكِرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِمَا قُسِمَ لَهُنَّ وَالْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُمَتِّعَهُنَّ وَيُفَارِقَهُنَّ إِنْ لَمْ يَرْضَيْنَ بِالَّذِي يُقْسَمُ لَهُنَّ. [208]

--> 206 ) السهيلي الروض الآنف 2/ 239 207 ) قد يقال: إن خديجة لم تكن بكرا فلا تحتاج لاستئذان أبيها، وأن هذا الأمر كان قبل الإسلام، وكلا الأمرين لا مجال لقبولهما، فكونها ثيبا قد تبين في الصفحات الماضية عدم صحته، وأنها لم تر زوجا قبل النبي، والثاني أنه ولو كان قبل الإسلام إلا أن (لكل قوم نكاح ) وبشروطه حتى يفترق عن السفاح، والنكاح هنا عند العرب كان مرتبطا بإذن الأب. بل كانوا يتشددون في أنه لا بد من ولي في النكاح .. ولو أن الإسلام لم يجعل على المرأة وليا بعد أبيها وجدها لأبيها فيما يرتبط بالنكاح كما يرى الفقه الجعفري. 208 ) الطبري؛ ابن جرير:ت فسير الطبري 19/84